ذات يوم

ذات يوم، سأخرج من نفسي ولن أعود.

سأترك الباب مفتوحًا، من يدري، لعلّني أعود.

قد أعود وأجد أحدًا غيري احتلني وأبقى أنا هائمًا.

لن أعود. سأبقى نسمةً عابرة، ترافق ضحكات المارّة وتقفز من تحية إلى أخرى.

سأركلُ هذا العالم بعنف وأركض في العدم إلى حدّ التعب. سأتعب واتساقط على أرضٍ جديدة، سأنغمس في ترابها وانتظر الشتاء. لعلّني ارتوي وأنمو، فأتحوّل الى زهرة. قد أتحوّل الى شجرة ساكنة، قابعةٌ في مكانها منتظرةً النهاية.

سيصيبني الجفاف واتهالك على العشب منتظرًا حطّابٌ ما ليخطفني وينقلني الى فنائه. سيحملني ويوقد حطامي لينعم بدفء رحيلي. ولن انتهي.

سأصبح رمادًا منثورًا على حافّة سجّادةٍ عتيقة لتنفضني يدا عجوزٍ وحيدة تنشد النظافة والراحة قبل رحيلها. سأتناثر غبارًا يعمّ الأرجاء الى أن تحملني ريح متناحرة فيما بينها، تُبعثرني في كل مكان وسأبقى عالقًا في نفس المكان.

بين الحب والنعاس

man playing saxophone

لي في صوتك بحَة، تترنّم بها وتطربني.

لي في قلبك طرقة، تنهمر بها علي وتنعشني.

ولي في نبضك ومضة، يطيب لي فيها السكون والزوال.

أزول، أذوب، أندمج واتماهى مع ارتخاء صوتك وتنهّداتك، ثم تقذفني إلى أبعد مدى، لأحلّق في فضائك طيرًا غرّيدًا وطريدةً لملذّاتك. أغرفُ من حياتي البقايا لألقيها أمامك كعصفورةٍ أم وجدت لصغارها طعامًا يزرع في قلبهم حبًّا أكبر من الحُب.

إبحث عنّي في تلك الزوايا، حيث ركنت حياتك وأحذيتك. إخلع مشاعرك عنك وعلّقها مع الثياب وشخصياتك. واستحمَّ بسيلٍ من عاطفةٍ وحُب، ثم ارخِ جسدك المنهك بين ذراعي، لأطيرَ بك فرِحًا، وأزهو بك بين أشعار الحب والقصائد. سأدلّ عليك وأقولُ أنتَ الأجمل.

أنت الأجمل من أبلغ القصائد، أنت الأقرب من أحبّ الكلمات وأنت الأكمل من كل النهايات. أنت البدايات وما قبل المقدِّمات، وأنت المضمون والجوهر في قلبي وفِي هذه الحياة. وما هي الحياة إن لم تبدأ برفّةٍ من جفنيك، وتنهيدةٍ هاربةٍ من شفتيك. ما الحياة إن لم تكن أنت فحواها ومحورها. وما هي الحياة إن لم تنظر إليّ وتقول أنتَ الأجمل.

أنتَ الأجمل وأنا بك أجمل. أنت الأعمق وأنا بك مستقرّ. أنت الأصدقوأنا بك أوضح.

*****

متاهة الكلمات

كئيبةٌ هي الأماكن الخالية، كقلوبٍ هجرها سكّانها وذبلت. 

حزينةٌ هي الطرقات الواسعة، رثت دموعها خطوات الراحلين ثم يأست. 

ذليلةٌ هي الورود اليابسة، امتلأت بزيفِ المشاعر وعند النكران براعمها قضت. 

وأنا، أسلكُ الطرقات الواسعة بحثًا عنكِ. أقصدُ الأماكن الخالية طلبًا لصدى همسكِ. ثم أقطفُ الورود الذابلة لأتركها عند رخامةٍ بيضاء، تحفرُ في سوادي سوادًا وفي عمقي أعماقًا. وأنتِ، ترحلين متآمرةً مع كل قمر. تغوين النجوم في ليالي السمر. ثم ترقصين رقصةَ انتصارٍ ينتشي بها مكرُ المطر. 

وأنا، أجلدُ الصخرَ بصرخاتي وأنهالُ على الأرض ِ ركلًا لا يفهم وقعه ما السبب. وأشتمُ الغيومَ  كرهًا وأخلطُ ألوان الحياة لأغرقَ في لونِ الغضب. ثم أطردُ البحار بعيدًا وأُسكنُ مكانها صحراءٌ تشعُّ بثمارِ اللهب. وأنتِ، تسابقين الحب على خطِّ الأُفق. وتخيطين أثوابَ العشقِ من حُمرةِ المغيب وتغزلين من النسائم أناشيدًا من العبقِ والغزل.

وأنا، أتعبُ من البحث، أسقطُ في نيرانِ حرقتي وقهري وأتوسلُ راجيًا أن أذوبَ مع دموعي بين الرمل والحجر. 

*****

كَونْ

منذ الأزل،
ومنذ أن بدأ الغزل،
توسّطت عيناك سماء كلماتي،
وبها، طال العمرُ حتّى الأزل.
صحراءٌ وشمس،
ضوءٌ وقمر،
وعطرٌ ولون،
يسكنان جسدًا يكسوه الأمل.
أملٌ بحجم كون،
توقٌ بحجم قلب،
وعشقٌ يسيلُ على رقبته دماءٌ وعسل.
شلّال الدموع ينهمر،
وعطرُ الكون ينتشر،
كلونِ الزجاج المنكسر،
حيث أرقدُ عند حدّه وأنتظر.
أنتظر،
وفي كلّ ثانيةٍ أنكسر،
والمحاولةُ الثانية تنكسر،
كليلٍ حاول المكوث لينتصر،
ثم فاجأه نهارٌ هادر،
فأسلم عشقه المُنكسر.
جميلةٌ أنت،
كالكون ترتمين في أحضاني،
تحيطين بي وتهمسين،
سأدور بك في فلكٍ بعيد،
مسارك مساري،
ومسارك بأمري
وأمرك رهن صمتي وحدّة صراخي.
صراخ الليل لا يسمعه أحد.
وصراخُك ليلٌ لن ينتظره أحد
وأنا وأنت كون،
فكوني أنتِ أو لا أحد.