يكفي أن تشعر بالبرد

تحت قطرات المطر أنتفض وأرتعش. أركض نحو الناصية تاركاً خلفي سيل أمطارٍ يُرعبني. أنفضُ عن ثيابي ما استجاب من قطراتٍ وأرتجف. أنظرُ الى السماء القاتمة وأتذكّر. 
ألستِ أنتِ من قالت يوماً، دع الأمر لي، سأُدفُِئك؟

ألستِ أنتِ من قام يوماً بكيّ ثيابي وقلتِ، سأُلبِسُك؟

ألستِ أنتِ من طلب قلبي منّي يوماً ووعدتِ، سأُنصِفُك؟

وأنا؟ ألم أكن لكِ دوماً؟ وكنت في كل يومٍ أحضنك؟

وأنا؟ ألم أُسامحكِ دوماً؟ وكنت عند الهفوة أقبّلك؟

وأنا؟ ألم أصدِّق وعودك دوماً؟ وكنتُ في كل مرّة، أعذُرُك؟

تهبُّ الرياح من جديد، يتواصل سقوط الأمطار وأنا عند الناصية أرتعد. أضم يداي وأنفخُ فيهما بعضاً من الدفء. أسحب سيجارةً من علبتي المبللة، أمسحُ المطر عن شفاهي وأُسكنُ السيجارة عند المنتصف. 

لا تشتعلُ ولّاعتي. لا تشتعلُ اللعينة، وأشتعلُ أنا غضباً منكِ. خذلتني كما فعلت ولّاعتي. 

قلتُ لكِ يوماً أنني أخاف اشتياقك. قلتُ أنني سأذبلُ من دونك. قلتُ أنّ شتائي سيبدأ برحيلك. يومها، كان جوابك ضحكةً وبعض الشفقة.

قلتُ لكِ أنني أخشى المطر، يُحزنني ويقتل الدفء في قلبي. قلتُ أنني سأفتقدك ولن أعثر عليكِ مجدداً. يومها، كان جوابك ابتسامةً وبعض الإنفعال.

وما زلتُ عند الناصية الى الآن، أنتظرُ الصحوَ وقدومك. أتفاوض مع ولّاعتي لأشعل ما بقي من سيجارتي. وأنتظر.

وسأبقى منتظراً الى حين قدومك. ما زلتُ أذكر حيرتي وقلقي. أسترجعُ الطمأنينة ووعدك حين قلتِ: “لأجدُك… يكفي أن تشعُرَ بالبرد”. 

عند منتهى ضوء القمر

تختبئ مشاعري في زوايا المكان. تهترئ، تتناثر مع الغبار وتتطاير في الأرجاء مع أفكاري. أفكاري باتت واهنة، أثقلها القلق وعبث في سكونها الظلام. 
لم أعد أذكر ما مرّ بي من أفكار. لم أعد أذكر أيُّها لي وأيها سرقته من خيال الآخرين. تبعثرت همساتي بين الحروف، بين السكنات وبين الصراخ. فقدتُ النطق في جوفي. تماديتُ في تبديد أفكاري الى أنْ أصابني الإفلاس. 

نعم، أصابني الإفلاس، إفلاس المشاعر والأفكار. فكرتي الأخيرة كانت أنني أتحوّل الى حجر. بل إنني أفقد نفسي وأتحوّل الى جماد. جمادٌ يحاول الصراخ ويفشل. جمادٌ يطرق باب الإنتماء فتزيد وحدته.

أنا حجر، أنا صخر، أنا رملٌ يمتطي أقدام الرياح. ينتشر في الأرجاء ويلتصق بالأجسام باحثاً عن هوية. فقدتُ انتمائي في ذروة بحثي عن أفكاري. خرجتُ من نفسي وضللتُ طريق العودة. صرخاتي باتت غبار. أنا الرمل وأكتب الغبار. غبارٌ يملأ صفحاتي، يسكن أقلامي ويحتل فمي. 

أصبحتُ واهناً، أبحث عن السكينة. وأين سيجد الرمل مكاناً حيث الشطآن والأمواج تحكم بعنف؟ 

سأنتظر شروق الشمس. فالسكون يرافقه والأمواج تصادقه. أمواجٌ منافقة، تجامل الشمس خوفاً منها، وتبسط سلطتها عليّ، عند منتهى ضوء القمر. 

هناك، حيث ينتهي ضوء القمر، سأنتهي. هناك مذبحي ومدفني. هناك نهاية رحلتي ومحطّتي. هناك أحملُ ما تبقّى من غباري وذكرياتي. هناك، عند منتهى ضوء القمر أُقفل حقيبتي على ما تبقّى منّي وأنتقل. 

قد انتقل الى شاطئٍ آخر، وقد أركبُ موجةً واختلط في زبدٍ ناصعٍ يغسل أوساخ حياتي. قد تسطعُ الشمس وأذوب. وأنتحل صفة زجاجٍ منافقٍ، يدّعي الشفافية وهو يخفي القذر من السطور والكلام، في أوراقٍ نسي أين دفنها.

سيمضي الوقت على نفاقي الى أن يكسرني حجرٌ بغيض. سيكسرني ويضحك، ويقهقه عالياً. سيشير إليَّ بأحد رؤوسه المسننة ويبتسم. سيهشّم ما تبقى من زجاج وجودي. سأصرخ وأنا مدركٌ أنني خسرت الى الأبد. سيجد أوراقي قلبٌ آخر. سيسلبها مني فرحاً بانتصاره في صراعه. ستقلّب صفحاتي أنامله وتنسبها لنفسها. 

وسأبقى أنا هناك، على شاطئٍ مظلم نسيه العشاق وملّ منه الصيادون. سأبقى قطعة زجاجٍ ملقاة، تتقاذفها ذيول الأمواج الثائرة. هناك، عند منتهى ضوء القمر. 

زوايا

سأكتب، ليس لأنني أحبُّ الكتابة، بل لأنني أريد الكتابة. أريد الكتابة، الكتابة بكل ما أملك من كلمات. منذ بدأت وأنا أرى في نفسي زوايا لم أكن أدري بها. 

لم أكن أدري أنّ لي جانباً مظلماً كالذي أكتب عنه أحياناً. لم أكن أدري أنّ بي حزناً جارفاً يرقد منتظراً في أعماقي. ولم أكن أدري أن لعبتي مع الكلمات ستجعل منّي نجماً ولو متواضعاً. 

نعم، أنا نجم وأصف نفسي بالنجم. لستُ نجماً كما يُعرّف عنه الآخرون. بل أنا نجمٌ في نظري. نجمٌ لأنني استطعتُ أن اكتب الكثير من النفاق على أوراقي ولم أُعاقب على فعلتي يوماً. نفاقي هو مكنونات قلبي الدفينة. فأنا لي في قلبي من الأسرار ما يجعلني أرسمُ بسمةً واثقة كل نهار، لأخفي حزناً يعتمل جوارحي.

صدقاً، لستُ أعرف سبب حزني بهذا الكم. لدي كل أسباب السعادة. لدي كل ما يمكن أن يجعلني سعيداً، ورغم هذا، أشعرُ بالحزن عندما اختلي بنفسي. والمضحك أنني أحب الإختلاء بنفسي. ففي خلوتي، أتعرّف الى نفسي من جديد، كل ليلة.

أستكين في سريري كل ليلة لأنظم أفكاري. أبذلُ مجهوداً في إيجادها. أفكارٌ مبعثرة، عاث ضجيج النهار فيها اهتزازاً. 

أخلدُ الى النوم وأغفو. ثم أصحو بجهدٍ محاولاً تذكُّر ما عاصرت من أحلامٍ في رأسي. لا أذكر أحلامي جيّداً، ولي حديثٌ عنها، سيأتي يوماً. 

أهجر سريري، ناسياً على وسادتي كل أفكاري المنظّمة وكل مخططات حياتي، وطبعاً، كل تفاؤلي وآمالي المشرقة. وأبدأ نهاري مع نفسي من جديد. أنا ذاته الذي اعتدته كل يوم. أنا نفسه المنافق، الباسم والحزين والغاضب بعد نومٍ عكرٍ أصرّ على مرافقتي بعد قضاء ليلته معي. 

أمضي نهاري موزعاً ابتساماتي كبطاقات تعارف ألقيها على وجه من أصادف. ويحييني الجميع بابتسامةٍ لا أعرف عن أصلها شيئاً، إِلَّا أنني أرحب بها كمن يضع نقوداً مزيّفة في جيبه آملاً باستعمالها يوماً ما.

وأعود الى سريري في المساء. أخلع ضوء النهار وملابسي وأدفن رأسي فوق وسادتي بسكون. 

على ورقتي

سأرسم في أعلى ورقتي نجمة. سأُطلق عليها اسماً، وأبدأ بعدّ السنين في حياتها. سأُكلمها كل ليلة، وأنسج لها ما يطيب لي من الكلمات. سأسهر على ضياؤها كل مساء، وأرتّبُ زواياها كما أشاء. سأرمي بها كل المشاعر، وأُغلق عليها كل الأبواب. 

سأرسم في منتصف ورقتي شجرة. وأرويها من حبر قلمي حتى الجفاف. سألوّن ثمارها بكل الألوان، وأحكم الحصار على أوراقها حتى النسيان. سأقطف من الثمار ما يطيب لي. وأهدي منها من يلذُّ لي. وأغفو تحت جذعها الأملس، وانتظر من سيأتي ليرسم شمس الصباح. 

على ورقتي، سأرسم كل الفصول. وفي دفتري سأرمي كل الفضول. فضول سيجذب من أحب. 

سنرسم بيتاً نعيش فيه. ونهرًا نزور في مياهه كل بلاد الحب. سنصل الى بحر جميل. مياهه تنتظرنا وشطّه يحتضننا. سنحفر على الرمل إسمينا ويمنع الموج نفسه من الذهاب بها.

سنهرب في عتمة ليلٍ الى الفضاء. ونسكن القمر. وننظر الى أهل الأرض باستهزاء. سنضحك ونضحك ونضحك. سنفرح ان حبّنا بدأ على ذاك الكوكب المسكين ونفخر بأننا تركناه. 

سنزور الأرض بين الحين والآخر، ونحتفل بذكرى حبّنا ثم نعود الى القمر. 

سنُدلي بإصبعينا نحو القارات، ونحدد قارةً جديداً للإحتفال. سنضحك كثيرًا ونُحب بَعضنَا البعض أكثر. سنكتب ما يحلو لنا من القصائد ونرحل، متى نشاء، الى كوكبٍ آخر. 

الخيّاط

حتى اعذب النسمات تأتي حزينة.

تداعب بأناملها أوراقي والليل، تُلاعب كلماتي وأقلامي، تبعثر حروفي وأفكاري، تزلزل سكوني وترسم بسمتي برقّة. 

تترك حزنها في حضرتي، ترسم الخيوط حول زوايا طاولتي وتهرب. 

أتوقّف عن الكتابة، أطرد أفكاري البالية، أبحث عن فكرةٍ سعيدة لأكتب عنها وأمسكُ قلمي. 

صعبة هي الأفكار السعيدة، تنال من مخيّلتي كل مرة. تقتلها وترمي بها في الحضيض. وأفشل في كل مرة أحاول فيها الكتابة بسعادة.

صبغة كلماتي قاتمة، حزينة وكئيبة. صبغة تمكّنت من الإستقرار بين أفكاري. قاومت اكثر اللحظات سعادةً وانتصرت. 

سهلةٌ هي الأفكار الحزينة، لدي الكثير منها. ولدي كل أنواعها وأحجامها. وكأنني “خيّاط” أفكار. أُفصّل منها ما يناسب اوراقي ومزاجي. 

أخيطُ في كل يومٍ فكرة. أرسم حدودها وأبعادها. أقتطع منها ما يفضح ترهّل بسماتي وأُزخرفُ ما أُحِب من رسومها. 

أنتهي من خياطة سطوري كلّها. أقيسها وأبتسم. إنها تلائمني وتفرضُ مكنوناتي. ثم أبتسم. 

أين هي تلك النسمات الآن؟ ها أنا أنهيتُ الخياطة من جديد. أين هي تلك النسمات؟ فلتأخذ هذه السطور. فتلفرّقها على المحتاجين للكلمات والحروف. لعلّ كلماتي تجدُ وقعاً جميلاً لدى غيري. فأنا قد سئمتها. 

إذهبي أيّتها النسمات الحزينة. إذهبي بحزني بعيداً. دعيني أبدأُ البحث من جديد عن فكرة سعيدة لن أجدها.

لهذا كتبت

سلطان وحدتي وتأملاتي أنا. سلطان أفكاري وتخيّلاتي وكل آمالي. أنسج من أحلامي ما أشتهي وأمحو ما لا يليق بشخصي. أقتل من أكره في حياتي وأكلّل من أُحِب بأبهى الحلل.

وحدتي هي مجالي. مجالي الخاص، ممنوعٌ من دخوله أحد. لا يعرف كُنْه وحدتي إِلَّا من قرأ ما يجود به قلمي على أوراقي. إنسانٌ معقّدٌ أنا. خطوطي متداخلة في لُحمةٍ لا يبددُها راغبٌ ولا يفك رموزها مشاغب. لي من نفسي شخصيات عديدة، تتناحر في ما بينها ولا تفوز إحداها.

تغيظني أفكار الغير عنّي. ما أدراهم من أنا؟ ماذا يعرفون عنّي؟ وكيف يعرّفون عنّي؟ أكره نظرتهم لي. أكره ما يؤلفون من كلام وما يحللون من شخصيتي.

لا أُحبُّ الإقتراب من أحد. لا أُحبُّ أن يكون لي أي عزيز. بل لا أحبُّ أن يكون لي أي عزيزٍ غير من هو عزيزٌ بالفعل. أَعتبرُ أنّ حياتي في طورها المكتمل من العلاقات الآن. بنيتُ حياتي على من صدر حكم المحبّة بحقّهم وباتوا هم الأقرب. 

لدّي كرهٌ دفين. كرهٌ يختبئ وراء ابتسامتي الباهتة. فكما هو “المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أنا أكره كل الناس حتى تثبت محبّتهم. هذا مبدأي وهذه حياتي. 

اكتفيتُ من المزيفين. اكتفيت من متعددي الوجوه ومزيّفي المشاعر. لا أمتلك الوقت الكافي. دقائقي ثمينة ولحظاتي غالية، وليس لدي سواها لأهديها لمن أُحِب.

حتى الكتابة، لم أكن أُكرّس لها وقتاً. لم أمارسها إِلَّا حديثاً، فهي الأخرى تحتاج الى وقت. وانا لم اعقد سلامي معها ومع أوراقي إِلَّا حديثاً. لهذا كتبتْ وهنا ينتهي البيان.

Passing

Silence, tiresome and pens are carving painful letters on walls.
Silence, tears and smolder are suffocating the place and souls inside.

Silence, fear and flames are sucking colors out of smiles.

Burnt photos, demolished dreams, remains of laughter are echoing among the remains of walls.

A humble house, once, built as a home then turned into a refuge.

A home, built by sweaty days of an old man, whose sweat sparkled and defied darkness. Darkness circled the future of youth as the old man demised.

Terror is breaking from far. Terror is reaching from far. That terror will be disappointed by the truth. The residents have left. They followed the old man’s trail and laughed.

Tyranny will arrive. Injustice will wallow in the void and weep among the ruins.

An unjust king, of a heart as black as ink, holding a grudge as fiery as the sun, will conquer that house or what’s left of home.

And that is how things are.

رحيل

صمتٌ ونعاس، وأقلامٌ ترسم حروفاً وأوجاع.

صمتٌ وبكاء، ودخانٌ يخنق المكان والأنفاس.

صمتٌ وخوف، ونيرانٌ تلتهم الجدران والذكريات.

صورٌ محترقة، أوراق مبعثرة وأحلام متناثرة.

بقايا ضحكات بين الحطام، بدايات تعثّرت بغبار الركام ولا احد ليشغل المكان.

بيتٌ صغيرٌ، كان بيتاً، كان وطناً، كان عمراً وكان عرقاً، التمع في يومٍ على جبينٍ عجوز. عجوزٌ رحل قبل الدمار، ترك المعاناة لذريّةٍ بيضاء ورحل.

رعبٌ يدوّي من بعيد. رعبٌ قادمٌ من البعيد. رعبٌ خائبٌ عند الوصول. رعبٌ سيصل ولن يجد من يرعبه.فقاطنوا الدار رحلوا. التحقوا بموكب العجوز وضحكوا.

ظلمٌ سيصل، ظلمٌ سيصرخ ويعوي في الفراغ، بين الركام وحول البقايا.

ملكٌ ظالمٌ، داكنٌ كالليل، حارقٌ كالشمس، سيقطن الدار، او ما بقي من هذه الدار.

وهذه هي الحال والأهوال. 

هويّة

لم أعُد اعرف من أنا

نسيتُ هويّتي وانتمائي

كل ما أذكره هو عيناك

كل ما اعرفه هو اسمك وهجرانك

دعيني… إرحلي عنّي

ابتعدي عن ذكرياتي

كما ابتعدتِ عن حياتي

من انا؟ ومن انت؟

انا من يرى وجهك كل صباح

وانت من هجرت وسادتي كل ليلة

انا من يرقص فرحاً بأفكاره

وانت من تدفن ضحكتي بأناملها

انا من يهيم كل يوم في زوايا حياته بحثاً عنكِ

وانت من تختبئ بين ثنايا الكذب لتغدر بي

سأبحث عن اسمٍ جديدٍ لكِ

سأبحث عن حزنٍ يليقُ بكِ

وأبحث عن موتٍ يعيش بك

وأجد صمتاً يطول معك

إرحلي كما رحلتِ سابقاً

اهربي كما انسحبت باكراً

لا تنظري وراءك

فليس من قاتل يطمئن على ضحيته

وليس من قاتلة تذرف دمعاً على قلبٍ نسفته

أكرهك

أكره ضحكاتك وهمساتك

أكره دهائك وغمزاتك

لكنني احبك اكثر

أكرهك

لأَنِّي لا اجد مهربا منك

لأنني لا اريد ان ارحل عنك

أكرهك، لأنني احبك…

قراءة في نفسي

كثيرٌ من الركود، طيّاتٌ مر طويلُ الزمن عليها، شيءٌ في كل زاوية، شخصٌ منسيٌّ فوق كل زاوية.

لم أعد أذكر كل ما مرّ في حياتي، ولم يبق سوى ما ترك أثراً فيّ أو جرحاً عميقاً يحفرُ في أعماقي عمقاً آخر.

أتفكّر أحياناً وأستنتج، أنني أعيشُ في الذكريات. كلُّ شيءٍ في حياتي له ماضي. ماضٍ لم أعد واثقاً من مُضيّه.

الماضي هو كل ما فات، فلمَ إذاً تعود الذكريات؟

ذكرياتي هي حاضري وماضيّ. أحاول الهروب منها مراراً. تارةً بإبتسامة لطيفة على وجهِ حزنٍ زائر. وتارة أخرى بحزنٍ جارحٍ في وجه فقدانٍ قسريّ لم أقاوم سلطانه يوماً.

ليست كل ذكرياتي حزينة. ففيها ما أضحكني يوماً وسوف يضحكني يوماً آخر. وفيها ما أشعرني بالضجر لبرهة ثم كسر ما علا من شأني سابقاً.

أقرأ نفسي وأستنتج، أنا مجرّد حطام. حطامٌ لمركب أبحرت منذ زمنٍ بعيد، تقاذفتها أمواج الحياة لترسو في ركنٍ مهجور. أستكنتُ فيه وأحببته. ومن حينها والغبار يتراكم فوق الذكريات.