يا وطن

يا وطن وجّعتني يا وطن

فرّحتني وعيّشتني بحلم

وبنيت حياة مزروعة أمل

وبالآخر وجّعتني يا وطن

وطني انا فيك ربيت

كبرت ضحكت

وفيك ياما شقيت

عيلة وحب وحياة بنيت

غفلت عنك بيوم

وغير الدمع ما لقيت

وطني رجّع اللي راح

مشي العمر

ووجعي بعد ما راح

هموم هموم قتلتني

وكترت فيي الجراح

رجاع يا وطن رجّعني

ورجّع الفرح أفراح.

رغبة

تموت الرغبة في داخلي كل ليلة.

تتناقص روحي شيئًا فشيئًا فأغيب. أغيب في عالمٍ سوداويٍ بائس، لا مكان للحياة فيه. تموت الرغبة كل يوم، الرغبة في الحياة، في الابتسام والبحث عن البداية. بداية طفلٍ أسلم الروح بعد النفس الأوّل، وكذلك كل بداياتي. تُولدُ بداياتي لتموت فورًا، فحتى هي فقدت الرغبة في المضي قدُمًا.

أنا انسانٌ فارغ، لا مكان لي ولا أرض، أبحث عن وطن، أبحث عن أمل وأبحثُ عن زمنٍ ضاع وضاعت فيه نفسي. لن أجد شيئًا، أنا على يقين من هذا. لن أجد شيئًا ولا حتى صدى لضحكاتي التي ظننتها ستبقى. جتى ضحكاتي فقدت الرغبة في العودة.

الرغبة أصل الإرادة وأساس الحياة وأنا فاقدها وأنتظر النهاية عند عتبةٍ تتكسر عندها كل بداياتي.

لديّ الكثير من الأحلام

لدي الكثير من الأحلام. 

هل تريدون بعضًا منها؟ 

نعم لديّ الكثير. 

لا تقلقوا، يمكنكم استبدالها إن لم تعجبكم، متى شئتم. 

أحتاج إلى النوم الآن. 

أفكاري مبعثرة، كلماتي مبعثرة، حقًا، أنا بحاجة للنوم. 

لدي الكثير من الأحلام، أتعلمون؟ 

لا أعرف لماذا أقدّم الأحلام لكم. من أنتم؟ لا أعرفكم. 

تواصلوا معي إن كنتم لا تستطيعون أن تحلموا، فأنا سأزوّدكم بالكثير ومن دون مقابل. أنا شخصٌ كريم طبعًا. 

أركم تضحكون. أراكم تتعجّبون وتمتعضون من تكراري لعرضي. 

هل تعرفون أنّكم لا تعنون لي شيئًا؟ طبعًا تعرفون. 

أنتم لا شيء. أنتم لا شيء بالنسبة لي، مجرّد زبائن لأحلامي البالية.

وبالحديث عن أحلامي، هل تريدون بعضًا منها؟ 

لدي أحلام كثيرة أصبح مقاسها لا يناسبني. بعضها بمقاسٍ أكبر من مقاسي. والبعض الآخر مقاسها أصغر. 

لم أعهد نفسي في هذه الحالة من قبل. لم تعد أحلامي مقنعة. حلمتُ كثيرًا حتى أضعتُ حلمي الأساسي. 

لقد تأرجحت بي هذه الدنيا حتى أبعدتني عن كل ما كنت أحلم به. 

بائسون أنتم. ليس لديكم أحلام. تأتون إليّ لأعطيكم بعضها. يا لكم من فقراء، بؤساء ومعتوهين. 

هل تظنّون أنّكم ستنجحون باستغلالي؟ سأقدّم لكم أسخف الأحلام وأقدمها، وسأُبقي الجديد لي، لي فقط.

هلمّوا، تعالوا معي إلى خزنتي العتيدة. أفتحها وانتقوا ما شئتم من الأحلام. هناك الكثير منها، وسأحصل على المزيد في الأسبوع القادم إن لم تجدوا ما تريدون الآن.

لا، عذرًا، أنا لا أبيع الأحلام. أنا فقط أقدّمها. أقدّمها فقط لمن يقدّرها. أنت لا، لا أريدك أن تأخذ حلمًا من أحلامي. سأعطي هذا الحلم إلى من يقف في جانبك فهو يشبهني نوعًا ما. أنت، هناك، تعال إليّ. خذ، هذا الحلم جميل ويناسبك. أنت تشبهني. أنت صديقي، هاك حلمي.

حسنًا، سأغلق الخزنة الآن. انتهى الوقت. عودوا في الأسبوع القادم، ربّما ستجدون أحلامًا لم يحلم بها أحدٌ من قبل، وستتباهون بها أمام من تريدون. الأسبوع القادم عيد، تعالوا واحصلوا على أحلام العيد.

أمّا الآن، اذهبوا عنّي، لا أطيقكم، سانصرف إلى أحلامي المعتادة، لدي الكثير منها.

بين الجفن والعين

بين الجفن والعين ترقد صور باهتة.

بين الجفن والعين تختبئ حياة تبحث عن معناها. 

بين الجفن والعين تتحضر صرخة للانطلاق.

صرخة ستعلو فوق كل الأصوات فتأخذ مداها.

بين الجفن والعين سواد وظلمة يحجبان الذكريات المنسية. 

ثائر

إن لم تعد شهيًا لها فارحل؛ انت لست طبقها المفضّل.

ان لم تعد قويًا لها فارحل؛ انت لست سندها الأفضل.

وإن لم تعد مطيعًا لها فارحل؛ انت لست تسليتها الأجمل.

توارى عن الأنظار فتبحث عنك لاهثة. أدر ظهرك لها وارحل. فهي ضعيفة من دونك، ومن بعدك لا يوجد من يرفعها.

سلطانتك هي وأنت سلطانها. سلطانها عليك وإليك امتدادها. ارحل بقوةٍ وبأس. اغدرها وانتفض عليها، أعلن الثورة والعصيان.

ستحاول غدرك واخضاعك. وانت سترفض، ستثور وتنتفض. إيّاك والتراجع. السلطة ماكرة وأنت أيّها الشعب طيّب، قلبك يلين.

ولكنك ثائر. تذكّر، ثائر، في كل الأماكن ثائر، في كل الظروف ثائر، في وطنك وعلى أرضك ثائر. ارحل من خنوعك وابسط نفسك محاسبًا وثائرًا.

انهض الآن أيها الثائر. موعد القطاف لم يحن بعد.

انهض الآن وانتفض، اعلنها ثورةً جديدة.

ثورة ألهمت الدنيا وأنجبت هذا الوطن.

خذلان قلم

لم أعد أعرف مما أعاني. من ضيقٍ يعصف في زوايا صدري أم من حنقٍ ترتعد منه أناملي أم من صمت طال حتى اتّخذ مني وطنًا.

لم يعد صداع رأسي كما كان، بل بات أشبه بصفير حاد اعتدتُ عليه وألفته حتى نسيتُ كيف هي الحياة من دون صفير. لم تعد أنفاسي متلاحقةً كما عهدتها، بل تعبت وتباطأت لتتوعّد باقتراب نهاية. وحتى نهايتي، لم أعد أعرف عنها شيئًا. تصورتها كثيرًا وتخيّلتها بكل السيناريوهات ولكن، بين الفشل والفشل، حتى سيناريو نهايتي سيفشل.

لن أنتهي، رغمًا عنّي سأبقى مناضلًا مجابهًا هذه الحياة بكل زواياها العفنة وأوحالها الملتصقة. سيرسم بُعدُ النهاية هذا ابتسامةً ثابتةً على وجهي. ستحتلّه وتنطلق منه. ستبددُ تلك الابتسامة كل سكناتي، حتى تلك التي تعلن اقتراب النهاية.

أين هذه الحياة التي تتكلمون عنها؟ أين تلك السنين التي تمضي من دون أن تمرَّ بي؟ أين العمر، الخجل والصمت منّي؟ ضعتُ بين الصفات حتى فقدتُ هويتي. ضللت طريقي في متاهات هذه الحياة حتى انمحت النهاية، وانمحت بعدها البداية فضللتُ الطريق.

أنا ذاك الذي ضلّ طريقه فسلك درب غيره، سرقها وعاشها واقتنع بها. أنا ذاك الذي يسلك مسارًا ليس له حتى ألِفَ الزيف وأضاع نفسه. لم تعد هذه الحياة تغريني، فكل ما بها ينسيني ما كنته وما سأكونه فأضيع بين كلماتي.

يستسلمُ قلمي ويعلن فراغه من الحبر والأسطر. يستسلم قلمي ليخذلني في منتصف تعابيري. يخذلني قلمي ليقبع في جيبي هو أيضًا صامتًا كئيبًا يترنّح بين التنهيدات والانتفاضات. يخذلني ثم يرافقني نحو نهاية سنكتشفها نحن معًا.

أين ترقصين؟

أين ترقصين كل يوم؟

أين تجدين حضورًا يشاهدك؟

هل ينتظرونك أم تخرجين لهم بالصدفة؟

تعالي، أرقصي لي. أنا حضورك وأنا متابع لك. دعيني أرتشف من جسدك كل الرحيق ومن أناملك شهد ونبيذ. أرقصي لي، أنا أحب الرقص وأحب رقصك.

أرقصي لي، حرّكي ما مات فيّ وردّي إليه عمرًا فقده.

تباطئي عند قدومك إلي ثم اقتربي من شفاهي جسدًا بضًا مشتاقٌ إلى قُبلٍ سأطبعها في أرجائه. ثم تمنّعي عني واستلذّي بلوعتي ثم فارقيني لأنتظرك كل يوم.

أين ترقصين غير أمامي؟ أين ترقصين؟ أمام عراةِ المشاعر أم فاقدي الحب؟ هم لا يكنون لك سوى الشهوة، أمّا أنا، فشهوتي حب وحبك قهوتي. أنا أراكِ كل يومٍ سواء كنتي أم لم تكوني. أنت في داخلي، في أعماقي والصميم. مطبوعةٌ على جبيني وفي ساعتي.

أين ترقصين غير أمامي؟ هل تخلعين ثوبك لهم أم تقنعيهم أنّك الحب ينام فوق الأثواب؟ وما تحت الأثواب حبٌ لا يتكلم عنه أحد. تحت ثوبك حبّي وتحت جفنك نظري وبين شفاهك جسدي. أنا بكِ أكتمل ومن دونك مكتملٌ وناقص.

أين ترقصين غير أمامي وأمامهم؟ هل ترقصين أمام عشاقٍ تبقينهم سرًا؟ أم أمام من لم يبقَ لهم ساعات على الرحيل؟ هل تتصدّقين عليهم بحنانٍ زائف؟ أم ترقصين وتنسين من يجلس في المقدّمة والمؤخرة؟

تعالي أرقصي لي، فلستُ أنا سوى أسيرُ ثنايا ثوبك وتجاعيد شالك ومنحنيات جسدك. تعالي إليّ لنرقص معًا، فأذوبُ بكِ وتنهمكين بي. تعالي إلي وكوني عالمي وطرقي ومنافذي. تعالي إلي لأكتمل كالقمر ثم ارقصي لهم لأتناقص فأختفي شيئًا فشيئًا.

ذات يوم

ذات يوم، سأخرج من نفسي ولن أعود.

سأترك الباب مفتوحًا، من يدري، لعلّني أعود.

قد أعود وأجد أحدًا غيري احتلني وأبقى أنا هائمًا.

لن أعود. سأبقى نسمةً عابرة، ترافق ضحكات المارّة وتقفز من تحية إلى أخرى.

سأركلُ هذا العالم بعنف وأركض في العدم إلى حدّ التعب. سأتعب واتساقط على أرضٍ جديدة، سأنغمس في ترابها وانتظر الشتاء. لعلّني ارتوي وأنمو، فأتحوّل الى زهرة. قد أتحوّل الى شجرة ساكنة، قابعةٌ في مكانها منتظرةً النهاية.

سيصيبني الجفاف واتهالك على العشب منتظرًا حطّابٌ ما ليخطفني وينقلني الى فنائه. سيحملني ويوقد حطامي لينعم بدفء رحيلي. ولن انتهي.

سأصبح رمادًا منثورًا على حافّة سجّادةٍ عتيقة لتنفضني يدا عجوزٍ وحيدة تنشد النظافة والراحة قبل رحيلها. سأتناثر غبارًا يعمّ الأرجاء الى أن تحملني ريح متناحرة فيما بينها، تُبعثرني في كل مكان وسأبقى عالقًا في نفس المكان.

لم تمت

لكل اللحظات في حياتنا معنى؛ بشكل أو بآخر.

لكل الصدمات في حياتنا مغزى؛ بطريقة أو بأخرى.

ولكل مسار في حياتنا هدف، قريبٌ كان أم بعيد.

قد تستقل سيارتك ذات ليلة وفي رأسك خططٌ كثيرة لما تبقى من تلك الليلة. ستستقل سيارتك، تشغل موسيقاك المفضّلة وتمضي في طريقك. سترسم على وجهك ابتسامة رضاً وثقة. أنت في سيارتك؛ لطالما اعتبرتها بيتك، منزلك المتنقل ومصدر راحتك.

في ومضة عين، ستصطدم بشاحنة لعينة، أضواؤها نائمة وسائقها لا يبالي. ستفاجئ بأنّك لا زلت حيًا؛ ستتحسس جسدك لتجد مصدر الألم؛ سترتعب وتنهار ثم ستبذل قصارى جهدك لتحافظ على وعيك، لتجد هاتفك، لتتصل بوالدك، لتتصل بك والدتك وتسألك بصوت يرتجف ويختنق “أنت بخير؟” ستجيب “لا أعرف” وستفقد وعيك مطمئنًا. سأتوقف هنا لأسأل، لماذا استسلمت بعد سماع صوت والدتك؟ هل اطمئنيت برميك الحِمل على كتفي والدتك أم انك أتممت ما عليك فعله وعلى الدنيا الباقي؟

ستعود إلى وعيك شيئًا فشيئا لتسمع صراخًا بعيدًا لغرباء لا تراهم. ستجد ذاك الرجل يصارع باب سيارتك لينتشلك منها. ستشكره بحرارة وتسأله عن اسمه، لتدعو له عندما تنجو، رغم انك واثق انك لن تذكر حرفًا من اسمه بعد لحظات. ستذهب بهدوء إلى ناصية الطريق وتنظر إلى سيارة الإسعاف القادمة لنجدتك. ستحبس دموعك المتزاحمة وتبتسم؛ انت بخير.

ستجد عائلتك قد وصلت قبل الجميع، ستقول لهم انت بخير. ستعانق والدتك وتُريها انك بخير لتطمئن. ستدفع بممرضي الإسعاف بعيدًا، فأنت بخير. سيكتشفون بك اوجاعًا لم تنتبه لها بعد. ستمضي معهم إلى المشفى، ستتعرض لفحوصات طبية عديدة. سيأتي إليك من تحب؛ ستقول لهم مبتسمًا “أنا بخير”.

ستتعافى، تقول الدكتورة. ستُنهي أوراقك وتذهب.

ستستقبل المهنؤون بالسلامة برحابة صدر. ستتجاهل الرؤية المشوشة التي تصيبك وستشرب فنجان قهوة آخر. ستغلق الباب بمودة بعد آخر زائر وتتظاهر بالنعاس، فقط لتقنع والدتك بالذهاب للنوم بدل السهر بجانبك. ستدخل غرفتك، تلقي رأسك على وسادتك وتشعر بالخدر في جسدك. ستعد الثواني قبل انهيارك. ستنهمر دموعك بغزارة. لم تمت. ستتذكر ما حدث. لم تمت. ستتذكر ما حدث مجددًا. لم تمت. فعلًا، لم تمت، لكنك تعلم جيدًا ان شيئًا ما بك قد مات.

ستمضي في حياتك ناقصًا بعضًا من براءتك. ستتعافى ولن يعود إلى الحياة ما مات وسقط منك. ستتأقلم وتفرح مجددًا، وسيبقى كل شيئٍ غير مكتمل. سيرافقك حزنك الدائم على شيء بك قد مات ولم تعرف ما هو بعد.

حدثت في 25 تشرين الثاني 2018.

تفاصيل

أراك، فتتضح لي كل التفاصيل. تفاصيل الكون، تفاصيل الحياة وتفاصيل الأشياء الصغيرة المحيطة بي. أراك، فتتكاثر المعالم ويلمع الكون وترقد الحياة في سكون وهيبة. أراك، فتملأ رؤياك الحياة ألوانًا والسماء نقاءً والعمر سنينًا. أراك فتتضح لي كل التفاصيل.

أحملك في قلبي، في سكون ليلي وقبل غفوتي. وفي غفوتي أحضنك وأتقلّب بك من حلمٍ إلى آخر، فأنت عالمي ومحيطي.

أنت قوّتي، أتسلّق الحبّ بك لأصل إلى السماء، وأنت ضعفي، أهبط بك إلى باطن الأرض ولا أعود. صفوي ونقائي أنت، وما تعكّر من مزاجي والنبضات.

أعتصر من حبك ما يكفيني، وأختزن من وجهك ما يملأ أيامي، فأنت مقتصد في حبّك وأنا كثير الإسراف في عشقك. بليلي أكتفي وبصمتي أذوب وفي غيابك أتوه في لوعةٍ آثمة، تكسرُ من عليائي وتهدمني.

أركض نحوك في شتاء فراق ولا أجدك. أبحث عنك بين قطرات المطر وبقايا الخطوات. أبحث عنك في جيوب الكون ومخابئ الحياة. فأنت الكون لي، ولا كون لي من دونك.

كبيرٌ أنت، أكبرُ من عالمي فلا يحتويك، وأطول من عمري فلا يكفيك وأعمق من أسراري فلا تخفيك. عالَمٌ آخر أنت، فيك حياتي ومدارُك كلماتي، تُشرقُ على صفحاتي حبًّا وتغربُ عنها جفاءً. يا كلَّ ما في كوني أنت، يا كلّ التفاصيلِ أنت، يا كل الكلمات والسكنات أنت. عالمي أنت وفي عالمي تختفي تفاصيلي وتهرب لتبقى أنت.