غربة ١

بعيدًا عن الجرح أطفو، بين سماءِ حب وأرض بشر.

بعيدًا عن الألم أرسو، بين شاطئ صمتٍ وميناء صُراخ.

بعيدًا عن العمر أستقرّ، بين ظلِّ موتٍ ولمحة حياة. 

أُغادرُ محطّة ذكرياتي في قطارٍ يجري بي بعيدًا نحو الأُفق.

أُسافر في خيالات المستقبل آملًا ومنتظرًا لشيئٍ لا أعرفُ ما هو بعد.

لا أعرف ماذا انتظر من هذا العالم. 

لا أعرفُ إن كنتُ أريدُ المضيَ قُدمًا في حياةٍ ليست من ثوبي ولستُ من ثوبها. 

لا أعرفُ شيئًا حقًا، ولا أريد أن أعرف. 

تصيبني نوبات حياةٍ بين الحياة والآخر، فأبتسم وأنا أعلم أنّ ابتسامتي زائفةٌ كاذبة. 

نوباتٌ تكاد لا تفارقني كما لا يفارق الحزنُ نسياني. 

أراني في بعض الأحيان ساكنًا مقلّدًا الجماد والموت. 

أراني منتصرًا على عالمٍ يركض نحو زيف المشاعر وحبّ البشر. 

ثم أراني مغادرًا، تاركًا خلفي كلّ أكاذيبي ونفاقي لمن سيأتي بعد فيلتهمها ويزهو بها بين البشر. 

بعيدًا عن القلب أُمسي، بين ذكرى على شفاه ودمعة هربت من المُقل. 

بعيدًا عن الجسد أرتحل، بين صوت نحيبٍ ورحمة أطالت السفر. 

بعيدًا عن هذا العالم سأبقى، بين أيّامٍ تُعدّ وفتراتٍ لا تُحتسب. 

*****

خريف

autumn fall forest leaves

بنكهة الحب مذاق قهوتي والشفتين.

بسكون العشق، نبضات قلبي والعينين.

بنكهة الحب يعبق وجودي ويطبق على جوارحي كفخ صيد.

بنكهة الكون أحلامي وبحجم الكون صرخاتي. 

طالت الأيام ولم يمل الحب مني بعد. 

طالت الأيّام ولم أملّ منك بعد.

فلتسقط أوراق الخريف جميعها إن كنتَ بعيدًا. 

ولتزدهر هذه الدنيا وتزداد خصوبةً إن كنت قريبًا. 

فأوراق الخريف لا تسقط وحدها، بل تسقطُ معها قلوب العاشقين أجمعين. 

والدنيا لا تستنير بضوء القمر وحده، بل تضيئ ببريق أعين الناظرين في قلوب الأحياء. 

فلينتظر الصبر النار لتهدأ وليترقّب شهقة شمعةٍ قبل الإنطفاء. فالشمعة عمر، تذوب وتفنى كما القلوب تضمحلّ وتجف بذورها. اكتفيت من كلام العشق، فهو مجرّد كلام. واكتفيتُ من المشاعر والعواطف، فهي وردٌ آيلٌ للسقوط. 

سأتوقّف عن الإنتظار والأمل، وأنغمس كقطعة حلوى في حبٍ لم يعرف أحدٌ متى بدأ ولن يعرف أحدٌ أين ينتهي. سأهمس لقلبي بشغفٍ وحب، سأحضن ما تبقّى منّي من فرحٍ ومجد، وأسكنُ قلب من يحبني ولن أخرج أبدًا. فأنا رغم لوعتي، بالحب بقيت وبه سأمضي، متكئًا على كتف قلب، نحثّ الخطى، تبرقُ الدنيا بلقاء عينانا ويزمجر الرعد بغمرة شفناها.

*****

بين الحب والنعاس

man playing saxophone

لي في صوتك بحَة، تترنّم بها وتطربني.

لي في قلبك طرقة، تنهمر بها علي وتنعشني.

ولي في نبضك ومضة، يطيب لي فيها السكون والزوال.

أزول، أذوب، أندمج واتماهى مع ارتخاء صوتك وتنهّداتك، ثم تقذفني إلى أبعد مدى، لأحلّق في فضائك طيرًا غرّيدًا وطريدةً لملذّاتك. أغرفُ من حياتي البقايا لألقيها أمامك كعصفورةٍ أم وجدت لصغارها طعامًا يزرع في قلبهم حبًّا أكبر من الحُب.

إبحث عنّي في تلك الزوايا، حيث ركنت حياتك وأحذيتك. إخلع مشاعرك عنك وعلّقها مع الثياب وشخصياتك. واستحمَّ بسيلٍ من عاطفةٍ وحُب، ثم ارخِ جسدك المنهك بين ذراعي، لأطيرَ بك فرِحًا، وأزهو بك بين أشعار الحب والقصائد. سأدلّ عليك وأقولُ أنتَ الأجمل.

أنت الأجمل من أبلغ القصائد، أنت الأقرب من أحبّ الكلمات وأنت الأكمل من كل النهايات. أنت البدايات وما قبل المقدِّمات، وأنت المضمون والجوهر في قلبي وفِي هذه الحياة. وما هي الحياة إن لم تبدأ برفّةٍ من جفنيك، وتنهيدةٍ هاربةٍ من شفتيك. ما الحياة إن لم تكن أنت فحواها ومحورها. وما هي الحياة إن لم تنظر إليّ وتقول أنتَ الأجمل.

أنتَ الأجمل وأنا بك أجمل. أنت الأعمق وأنا بك مستقرّ. أنت الأصدقوأنا بك أوضح.

*****

متاهة الكلمات

كئيبةٌ هي الأماكن الخالية، كقلوبٍ هجرها سكّانها وذبلت. 

حزينةٌ هي الطرقات الواسعة، رثت دموعها خطوات الراحلين ثم يأست. 

ذليلةٌ هي الورود اليابسة، امتلأت بزيفِ المشاعر وعند النكران براعمها قضت. 

وأنا، أسلكُ الطرقات الواسعة بحثًا عنكِ. أقصدُ الأماكن الخالية طلبًا لصدى همسكِ. ثم أقطفُ الورود الذابلة لأتركها عند رخامةٍ بيضاء، تحفرُ في سوادي سوادًا وفي عمقي أعماقًا. وأنتِ، ترحلين متآمرةً مع كل قمر. تغوين النجوم في ليالي السمر. ثم ترقصين رقصةَ انتصارٍ ينتشي بها مكرُ المطر. 

وأنا، أجلدُ الصخرَ بصرخاتي وأنهالُ على الأرض ِ ركلًا لا يفهم وقعه ما السبب. وأشتمُ الغيومَ  كرهًا وأخلطُ ألوان الحياة لأغرقَ في لونِ الغضب. ثم أطردُ البحار بعيدًا وأُسكنُ مكانها صحراءٌ تشعُّ بثمارِ اللهب. وأنتِ، تسابقين الحب على خطِّ الأُفق. وتخيطين أثوابَ العشقِ من حُمرةِ المغيب وتغزلين من النسائم أناشيدًا من العبقِ والغزل.

وأنا، أتعبُ من البحث، أسقطُ في نيرانِ حرقتي وقهري وأتوسلُ راجيًا أن أذوبَ مع دموعي بين الرمل والحجر. 

*****

ريح

photo of house near tree during winter

ريحٌ باردة تعصفُ بأرجاء المكان. تبكي وتنوحُ على شَيْءٍ كان. وأنا منفصلٌ عنها قلبًا وفكرًا ويرتعدُ جسدي من بردها وصراخها.

حزينٌ أنا بعض الشيء في هذا اليوم. أُعاني وحيدًا من وحدةٍ تخطف من قلبي نبضًا كل يوم. أراني منهمكًا بلا شيء، أعدُّ ما أرى وأحصي النقاط المتلألئة في الأفق البعيد.

بعيدٌ أنا وأنت بعيد. بعيدٌ أنت عن متناول قلبي وعياني. روحي عطشى لرؤياك وجسدي مشتاقٌ لحرارةٍ تكسر برد هذه الريح الحزينة.

وقفتُ في منتصف المكان، أعانقُ الريح وألتمسُ حزنها، لأكسر من وحدتي وأسهر مع وحيدة مثلي في هذا المكان.

فعلًا حزينةٌ هذه الريح، مثل هذه الروح التي تسكنني، فاقدٌ للمطر، للحب والأمان. وتصيبني الحيرة، فلا الريح استكانت لي ولا الشوق غادرني.

ويصيبني الخوف، فلا الريح هدأ بالها ولا اللوعة خبتت نيرانها. سأصادقُ الريح لأمتطيها وأرحل إليك. سأرحل إليك لأبقى بين ذراعيك. ساكنًا كالحرف، تحتضنك الكلمات وتدفئك المقاطع.

وأنظرُ إلى نفسي، فأجدني متجهًا إليك بقلبي، بأناملي وعيناي. أنظرُ إلى البعيد لعلِّي أراك. لعلِّي أراك قادمًا نحوي أو أراني مقتربًا منك رويدًا رويدًا لأسقط عند قدميك كورقة وردة، أضناها الهواء فحطّت عند قدمي أمّها تلتمسُ الدفء والحنان. وَيَا له من حنان يذيب عن القلب جليد الكتمان.

طير

طيرٌ يرقص في السماء وحيدًا، يجول الأرض بعينيه شريدًا وينثر بذور الشوق من علوٍ بعيدًا.

أراه وعيناي تتبعان مساره الثابت، ويهتف لقلبه قلبي النابض وترسو سفن الشوق على شاطئي الهالك.

ويلي من عويله يضرب أوصالي كالصاعقة، صاعقةٌ ترمي بي إلى أعمق هاوية لتسحقني مخالب بأسه الدامية.

فقدت معنى الكيان ومضى بي الزمان الى حقبة زوالي. زوالي الذي يزورني بين تنهدات الوقت وغصّات المكان.

أراني سائرًا في دربٍ ذائبٌ في الأرض. سائرٌ حائرٌ لا يجدُ محطة توقف ولا نهايةَ خطوات. سأتعقّب الريح، ففيها خطواتي المسروقة وعويل خلجات صدري الخائفة.

ما زال الطيرُ هائمًا في سمائه وما زالت جاريًا في أرضي وما زال سيل الكلمات ينهمرُ فوق رأسي وبين أضلعي. وأنا مُشتت، بين سماءٍ فاتحةً ألوانها لاستقبالي ومسار يسحب مني نبض الإرادة والتراجع وبين صمتٌ يمزّقُ أحشائي ويحرق مكانه بحقد.

نفرتُ من الاتجاهات وألهبني ضيقها. سأمضي نزولًا، إلى الباطن السحيق، لعلِّي اتضاءل شيئًا فشيئًا وأزول، فلا أثرٌ يبقى من بعدي ويفوز صمتي متحدًا مع السكون.

اشتياق

لم يعد لديّ ما يكفي من الكلمات. ضاقت بيّ معاجمي وهربت منّي المرادفات. لم تكن الكلمات تعني لي شيئًا من قبل، ولكنّي في مسارِ حبّك تائه ونفذت منّي العبارات. كيف أعبّرُ لك عن حبّي وحروفي باتت متكررة؟ أضّادي باتت مستهلكة وجُمَلي أمست ناقصة.

سأخترعُ لغةً بين قلبي وقلبك، وصلًا ووصالًا، بين عيني وعينك وبين روحي وروحك. أتذْكرُ حبيّ اليافع في ما مضى؟ أتذْكرُ كم كان صغير العمرِ كبيرَ الشأنِ حينها؟ والآن، بتُ أنا صغيرَ الشأن أمام حبٍ تملّكني وامتدّ عبري ليشمل الكون والعمر معًا. والآن، سأكبرُ في حبّك وأقرعُ طبول الحرب قبل كل قُبلة وبعد كل لقاء. فأنت لي وأنا لك. أنت عطشي وارتوائي معًا، قِدَمي في العمر وحداثتي في الحب معًا. أنت شأني الذي يعلو بعُلوّك وقامتي تصبو إلى الغيم بجوارك. وما جواري إلّا ملاذي ومسكني، مسرح تخيُّلاتي وموطئ دموعي. وما جواري إلّا قلبٌ قدّم الحياة بمعنىً آخر ومسار جديد.

كيف أنبذُ عمرًا تجمّل بلحظاتك؟ كيف أنبذُ حُبًّا بكلماتي الباهتة وأقلامي البالية؟

سأظلُّ أحاول وسأبقى باحثًا عن كل معنى جديد لأضيفه إلى صفاتك وأُصنّفه بحسب ابتساماتك. وسأبقى أنا في ركن قلبك قابعًا في سكون، مترقبًا وحارسًا، عاشقًا وحبيبًا وعمرًا سيمضي بك وبي معًا، كحبيبان يتشاركان قلبًا واحدًا.