حالة

كل يوم أحملُ دفتري وقلمي آملًا أن أكتبَ شيئاً مفيدًا. أحياناً أفتحُ دفتري، أحملُ قلمي وأتأمّلُ الصفحة البيضاء لساعات متتالية. وأحياناً أُخرى، أرسم على صفحاتي البيضاء أحداثاً في خيالي لمجرّد التسلية. فقلمي لا يطاوعني في معظم الأحيان. قلمي لا يتبعني، بل أنا الذي يتبعه. حتى صفحاتي، لا تنصاع لأوامري، بل أنا رهنٌ لها ولأوامرها.

كل يوم أحملُ قلمي ودفتري آملًا أن أكتُبَ شعرًا. أنْظمُ الكلمات في رأسي، أُضيف إليها من الحزن نكهة، ومن الوجدان رشّة ولا أكتب. لستُ جديرًا، لا بالشعر ولا بالأدب.

أتظاهرُ كلّ يوم بأنني مرهفُ الإحساس، حزينٌ تثقلني هموم الدنيا. والحقيقة هي أن هموم هذه الدنيا أرهقتني وقتلتْ داخلي لتتركني جسدًا خالياً من الإحساس. تركتني جسدًا مليئاً بالحزن، أجوَفاً مكسورًا من الداخل قبل الخارج.

خرجتُ عن سيطرة نفسي، بتُ هائجاً غيرُ سوي، أصطنعُ الهدوء لاعتيادي عليه، أتشبّثُ بالرصانة وأنا فاقدها وأركلُ البُغضَ بعيدًا عني وأنا مشبعٌ به.

وها أنا أُكرّرُ نفسي كما هي عادتي وأقول سئمت. سئمتُ نفسي وحياتي، سئمتُ ضعفي وتخاذلي وسئمتُ نوبات الأمل التي تعصفُ بي ثم تستكين كما تستكين كل عاصفة عاتية بغيضة.

تستكين بي عاصفة الأمل وترحل، تاركةً فوضى اليأس والحياة وراءها.

متاهة النهاية

في جوفي تعبٌ كثير، يوصلني إلى حدّ البكاء أحياناً. تعبٌ أنا من نفسي ومن شخصي وأفكاري. تعبٌ أنا من يأسي، حزني وضيق أنفاسي. في داخلي بركانٌ من غضبٍ وحزن، يثور ويفور ويلقي بحممه في قلبي الخامل.

في جوفي سهرٌ كثير، قلقٌ عنيد وعنفٌ عميق. عنيفٌ أنا مع نفسي، ألومها على كل شيءٍ في كل شيء. قلِقٌ أنا على نفسي، على عقلي وعلى اتّزاني. في داخلي سأمٌ وسقمٌ وضياعٌ وفقدان.

تكمّل عيناي هالتان سوداوان كإطارٍ أسود ينبؤني بأن كلُّ ما سأراه سيتّشحُ بالسواد. في رأسي وحعٌ يقتلني كل يومٍ بعدد ما مرَّ في حياتي من أيّام.

في نفسي وجع، يقتلني ببطء ويمحو آثار خطواتي في كل طريق. وجعي يخيفني، يواريني عن الأنظار، يضنيني ويدقُّ المسامير في أطرافي.

سئم الفرحُ مني ومن انهزامي لعدوّه. سئم اللهو مني فبتُّ هامدًا جامدًا لا أقوى على حراك.

أشعرُ أَنِّي أذوب في صمت. أندمجُ مع اللحظات لأختفي أكثر. أختفت البدايات ولاحت في أُفقي النهايات. نهاياتٌ لا أعرفُ طبيعتها ولا أعرفُ ما سبقها سوى أنها نهايات. نهاياتٌ ومتاهات، أدورُ بها لأصل اليها. لا زلتُ أشعرُ باقتراب نهايتي ولكن الحطام الذي انا هو الآن قد يكون النهاية.

إهداء

هل كنتُ أحلم أَنّي غفوتُ بين ذراعيك؟ هل كنتُ أحلم أَنّي وجدتُ الدفء في تنهيداتك؟ هل كنتُ أحلم أنّ الدنيا ومشاغلها أعتقاني وأنا محميٌّ داخل حدود عينيك؟

لم أعد أعرف التفريق بين الواقع والخيال معك. نسيتُ طعم الوحدة ونسيتُ إسمي بين كلماتِك. فقدَتْ بوصلتي وجهتها عندما وصلتُ إليك. وضللتُ كلَّ طريقٍ سلكته بعيدًا عنك.

بعيدٌ عنك، وحدتي حالكة.

بعيدٌ عنك، أضوائي خافتة.

بعيدٌ عنك، ألواني باهتة.

ومعك، أنا قوةٌ استغنت عن القتال.

نسيتُ إسمي بين كلماتك، أضعته بين الأسامي التي تنادي لي بها. دفنتُ هويتي في جيوبك وأقفلتُ على جواز سفري بين ثنايا قلبك.

أنتفضُ لوعةً عند هجرانك. وأعتصرُ الدمع فرحاً بعودتك. أتوقُ إلى لُقياك ولا أعترف. أهيمُ ظمآناً لسماع صوتك ولا أتّصل. كيف لي أن أعترف أنّي لك، منك أرحل وإليك أعود؟

كيف لي أن أتيقّن أنّك لن ترحل وأنا أعدُّ الخطى المنتاقصة إليك دوماً؟ كيف لي أن أرحل وأنت كل حياتي؟ خيالي يغتني بك ويبدأ بك وينتهي معك.

يا من أحبّ، إنتظر. فطريقك ستسلكها، وأنا معك.

وسادتي

تحت وسادتي أفكارٌ كثيرة.

تحت وسادتي دموعٌ وفيرة.

وسادةٌ هائمةٌ في فراغٍ كبير.

فوق وسادتي رأسٌ ملّ من الأفكار والخيالات.

رأسٌ تصدّع واهتزّ كيانه. رأسٌ لم يعد يملك زمام أموره.

رأسي، رأسي الذي كلّ من قنوطي، ضعفي ووهني.

تحت وسادتي حزنٌ كبير.

تحت وسادتي أسرارة عميقة.

وسادتي الهائمة في صراحةٍ زائفة.

تحت وسادتي ما بقي من الأحاديث والكلام.

فأنا لم أقل يوماً كل ما لدي من كلام.

لم أبح يوماً بما في جعبتي من أسرار.

ولم أُفرّط يوماً بما أملك من مكنونات.

صوتٌ في داخلي يأمرني بالسكوت، بالصمت والخنوع.

صوتٌ يحيط بي، يصرخ بهدوئها ويهزّ كياني.

وسادتي، جعبتي التي أترك فيها معاناتي مع الليل، كل صباح.

معاناتي باتت وسادتي التي أنستني طعم النوم والأحلام.

في مثل هذا الوقت

في مثل هذا الوقت، أشتاق إلى نفسي.في مثل هذا الوقت، أرثي ما تبقّى من عنفواني.

وفي مثل هذا الوقت، أحنُّ الى ما انهدم من أمجادي.

ليس للحياة وقتٌ محدد، بل للحياةِ حياةٌ تسير بتوقيتها الخاص. توقيتٌ مُغايرٌ لما نعرفه من الدقائق والسّاعات.

للحياة لحظات، أحداث، تواريخ، ضحكات وأحزان. للحياة لحظات نحصيها بها. 

في مثل هذا الوقت، أقيس طول الضحكات في حياتي.

في مثل هذا الوقت، أعدّ الدموع التي ذرفتُها في سُباتي.

وفي مثل هذا الوقت، أنتقل الى بُعدٍ آخر، أرتشف منها ما حُرمتُ من ملذّاتي.

ليس للملذّات طبعٌ معيّن، بل للملذات طعمٌ يبقى في الحلق طول الحياة. طعمٌ يحرق مكانه عند الفقدان. للملذات طعمٌ يحفر في القلب شوقاً، وجعاً، صراخاً وصمت. للملذات خنادقٌ لا نعرف الفرار منها. 

في مثل هذا الوقت، أكتب رسائل الحب لنفسي.

في مثل هذا الوقت، أمتنع عن الإحساس بما يُفرحني.

وفي مثل هذا الوقت، أكسرُ ما بقي من نقاء ريائي. 

سحر المغيب

عند المغيب ترقص خيالاتي، تخطُّ حدودها بين الألوان الذائبة وترسم انفعالاتها وانعكاساتها. 

عند المغيب تُطلق همساتي صراخها، تُتمتم تعويذاتها وتلقي بسحرها على أناملي.

عند المغيب تتحركُ أقلامي، تنساب بين ثنايا الصفحات والخطوط، وأكتب.

أكتب ما يجود به فكري وما يلفظه تحفّظي وأجدُ ذاتي. أُقنع نفسي بأنّي أسكبُ من نفسي على أوراقي المتهالكة.

أُقنعُ نفسي بحقيقة لا أدري من أين أتيتُ بها ولكنها تناسب مقاس مآسيّ. وأقنعُ نفسي بزيف كلماتي وقناع تنهداتي. 

أمضي كتابةً وأقطع البحور خيالاً وأهيم عند حدود البحر غيرُ عابئٍ بالسماء. 

خط الأُفق مساري، نقطتان لا تعرف الإلتقاء. مسارٌ لا يعرف الإلتفاف، قواعده هائجة لا تعرفُ الثبات وسقفه فراغٌ لا يعرف الإمتلاء.

لستُ أدري من أنا. نسيتُ ما كنتُه يوماً وتجاهلت ما أنا عليه اليوم. كما سأغضُّ بصري عمّا سأصبحُ عليه غدًا. 

لحظاتي متقطّعة، تختنق مع الخطوات وتلفظ أنفاسها عند نهاية كل سطرٍ وقبل كل نقطة. 

زيفُ كلماتي ساحر، وقعُ المعاني يهدر، يلمع ويأسر، كما سحر المغيب. 

سأختفي

أكتبُ بضع كلماتٍ ثم أمحوها. أخطُّ بعض السطور وأُرسلها بعيداً عن أوراقي. ضائعٌ أنا بين كلماتي ومشاعري. ضائعٌ أنا بين اليأس وبعض الأحزان. 

أعيش النكران كيف ما كان، وأُقنعُ نفسي بابتسامةٍ رمى الواقع عليها غبار الإنعدام. تقاطع انسياب أفكاري أحاديث من حولي. يضجّ داخلي بصدى النظرات المتجهة لي. 

وأهرب من نفسي قبل هروب الآخرين منّي. أهرب من مللي، من تأفّفي ومن ضيق الهواء في صدري. 

سأعيد ما أخذته من هذه الدنيا الى هذه الدنيا. سأرمي ما تعلّمته وراء ظهري وأنطلق. سأنطلق الى حياة جديدة، باحثاً عن ملل جديد، عن حزنٍ جديد وعن قلق جديد.

لم أعد أُريد هذه الحياة البائسة. سئمت محيطي وسئم محيطي منّي. 

أصرخُ بيني وبين نفسي طالباً النجدة ولا ألبّي نداء نفسي. سئمتُ نفسي وكل الزوايا القابعة في عتمتي. مللتُ صمتي وصراخي وكل ما تجود به شفاهي. 

سأختفي. سأختفي شيئاً فشيئاً، رويداً رويداً الى أن ينمحي أثري. 

سألتحم مع الفراغ، أندمجُ مع السكون وأنضم الى ركود أحداثي.

سأختفي.  

لستُ محور الكون

أُقلّبُ صفحات أحلامي خوفا من الواقع. أهربُ من نفسي بأحاديثٍ بائسة، مع نفسي.

أعيشُ فراغاً يملأ حياتي، ويزرع بذوره من أعماقي إلى سطحي.

أروي بذور الفراغ بدمعٍ يأبى إلّا أن يكون صعب المنال، صعب الوصول وصعب الرحيل.

أصرخُ ويصرخُ ذاك الحزن الخابتُ في جوفي.

فقدتُ نفسي وأضعتُ ابتساماتي الواهنة.

أضعتُ ابتساماتي، تلك الخيوط الواهنة التي تربطني بما يسمّى فرحاً.

ازداد صمتي قسوة، ازداد ضعفي قوّة، وانهال السواد على ألواني ضرباً مبرحاً ومُمزِّقاً.

لغتي أصبحت كالحجر. تمثالٌ أُحاول نحت معالمه وأفشل.

حتى اعذب النسمات تأتي حزينة. تداعب بأناملها أوراق المساء والليل.

الحزن قاسٍ حقاً، يُصارع عنادي ويتمرّد على سكوني.

لم يتوقّف الكون عن الدوران ولم يصرخ البحر لصراخي.

لم يطرد الليل عتمته عنّي ولا النهار بات أكثر إشراقاً لإبهاجي.

لم تذبل الزهور ولم تتوقف الطّيور.

لم يصمت الجميع احتراماً ولم يأبه لي أحد.

سأغفو على ناصيةِ طريق مهجور.

سأرمي بأوراقي بعيداً، وأحرق خشب أقلامي.

سأهجر هذا الكون، فهو لم يعد يناسبني.

إذ أنّني اليوم عرفت.

عرفتُ ما تجاهلته دوماً.

لستُ محور الكون ولم أكن يوماً.

متابعة القراءة لستُ محور الكون

فنجان ونسيان

لم أعد أذكر من يقطن ذاك البيت. نسيت عدد زياراتي المتكررة الى الناصية المواجِهة ونسيت سبب احتمالي للطريق العفنة، المجاورة لذاك البيت. أذكرُ خيالات لمحتها في مضى خلف احدى النوافذ. وأذكر موسيقى تراقصت أصداؤها في أرجاء إحدى ردهاته. ولكن، نسيت من يقطن ذاك البيت. نسيت أسبابي ونسيت نفسي هناك، عند عتبته. نسيت رصانتي واعتدال أفكاري خلف نوافذه. وبقيتُ أنا، أنا. وهم يسرح في الطرقات، يبحث عن بيتٍ جديد. يبحثُ عن بيتٍ يستضيف سكّاناً جدد. وبقيتُ أنا، نفسه الذي كان يعشق نافذةً وإطلالة. بقيتُ أنا، نفسه الذي لهث خلف إزاحة ستارة. ونسيت.

نسيت ما يربطني بكل شيء. نسيت ما يُنفرني من كل شيء. ونسيت أصل مشاعري وبعض أجزاء كياني. 

تغيّرتْ. تغيّرتُ وتاهت منّي طريق العودة. تغيّرت وضاعت بوصلة قلمي وكلماتي. ثم تبدّلت، تحوّلت وتبدّدت. ليس من ضمن أمانيّ ما يخص العودة. ما زلتُ مهاجراً من نفسي وإلى نفسي. تمضي أيامي بين سوادٍ وسواد. وتضيع أحلامي بين وهم وسراب. 

فنجانُ قهوةٍ أنا. لذّتي ذابت بما طغت عليه مرارتي. قسوتي انغمست في “تفلٍ” حالك الطعم والطّبع. وكياني، كياني ضاع بما تبخّر من حرارة الإشتياق. 

فنجان قهوةٍ أنا. 

مرّ.

حزين.

لذيذ.

ثقيل.

سريع.

وصغير. 

زوال

هجرتني الأحرف والكلمات، هجرتني دفاتري وأقلامي، فقدت خريطة مكاني، وتعثّرَتْ وجهتي في الحياة.

صفّقتُ لقرع طبول وحدتي، ثم رقصتُ على أنغام حزني… رقصة بطيئة.

أطربتني أحزاني وأعادت لي الإحساس بالمكان.

آثرتُ الصمت ولوعة الوحدة.

ألفتُ الظلام وانعدام الألوان.

ضحكاتي تلوّنت حزناً ملأ أعماقي.

استكنتُ للرياح، صوتها عالٍ ناسبَ صمتي.

تعوّدت نحيب الذئاب، لوعتها طابت لأرقي.

أحببتُ بزوغ الفجر، ففيه بداية العذاب.

حطامٌ أنا، رُكن على حافّة هاوية.

حطامٌ أنا، مُلقى بإهمال تتآكله خبايا الحياة وحيلها.

حطامٌ إنا، أنتظرُ النهاية، ولم تأتِ بعدُ البداية.