متاهة الكلمات

كئيبةٌ هي الأماكن الخالية، كقلوبٍ هجرها سكّانها وذبلت. 

حزينةٌ هي الطرقات الواسعة، رثت دموعها خطوات الراحلين ثم يأست. 

ذليلةٌ هي الورود اليابسة، امتلأت بزيفِ المشاعر وعند النكران براعمها قضت. 

وأنا، أسلكُ الطرقات الواسعة بحثًا عنكِ. أقصدُ الأماكن الخالية طلبًا لصدى همسكِ. ثم أقطفُ الورود الذابلة لأتركها عند رخامةٍ بيضاء، تحفرُ في سوادي سوادًا وفي عمقي أعماقًا. وأنتِ، ترحلين متآمرةً مع كل قمر. تغوين النجوم في ليالي السمر. ثم ترقصين رقصةَ انتصارٍ ينتشي بها مكرُ المطر. 

وأنا، أجلدُ الصخرَ بصرخاتي وأنهالُ على الأرض ِ ركلًا لا يفهم وقعه ما السبب. وأشتمُ الغيومَ  كرهًا وأخلطُ ألوان الحياة لأغرقَ في لونِ الغضب. ثم أطردُ البحار بعيدًا وأُسكنُ مكانها صحراءٌ تشعُّ بثمارِ اللهب. وأنتِ، تسابقين الحب على خطِّ الأُفق. وتخيطين أثوابَ العشقِ من حُمرةِ المغيب وتغزلين من النسائم أناشيدًا من العبقِ والغزل.

وأنا، أتعبُ من البحث، أسقطُ في نيرانِ حرقتي وقهري وأتوسلُ راجيًا أن أذوبَ مع دموعي بين الرمل والحجر. 

*****

ريح

photo of house near tree during winter

ريحٌ باردة تعصفُ بأرجاء المكان. تبكي وتنوحُ على شَيْءٍ كان. وأنا منفصلٌ عنها قلبًا وفكرًا ويرتعدُ جسدي من بردها وصراخها.

حزينٌ أنا بعض الشيء في هذا اليوم. أُعاني وحيدًا من وحدةٍ تخطف من قلبي نبضًا كل يوم. أراني منهمكًا بلا شيء، أعدُّ ما أرى وأحصي النقاط المتلألئة في الأفق البعيد.

بعيدٌ أنا وأنت بعيد. بعيدٌ أنت عن متناول قلبي وعياني. روحي عطشى لرؤياك وجسدي مشتاقٌ لحرارةٍ تكسر برد هذه الريح الحزينة.

وقفتُ في منتصف المكان، أعانقُ الريح وألتمسُ حزنها، لأكسر من وحدتي وأسهر مع وحيدة مثلي في هذا المكان.

فعلًا حزينةٌ هذه الريح، مثل هذه الروح التي تسكنني، فاقدٌ للمطر، للحب والأمان. وتصيبني الحيرة، فلا الريح استكانت لي ولا الشوق غادرني.

ويصيبني الخوف، فلا الريح هدأ بالها ولا اللوعة خبتت نيرانها. سأصادقُ الريح لأمتطيها وأرحل إليك. سأرحل إليك لأبقى بين ذراعيك. ساكنًا كالحرف، تحتضنك الكلمات وتدفئك المقاطع.

وأنظرُ إلى نفسي، فأجدني متجهًا إليك بقلبي، بأناملي وعيناي. أنظرُ إلى البعيد لعلِّي أراك. لعلِّي أراك قادمًا نحوي أو أراني مقتربًا منك رويدًا رويدًا لأسقط عند قدميك كورقة وردة، أضناها الهواء فحطّت عند قدمي أمّها تلتمسُ الدفء والحنان. وَيَا له من حنان يذيب عن القلب جليد الكتمان.

طير

طيرٌ يرقص في السماء وحيدًا، يجول الأرض بعينيه شريدًا وينثر بذور الشوق من علوٍ بعيدًا.

أراه وعيناي تتبعان مساره الثابت، ويهتف لقلبه قلبي النابض وترسو سفن الشوق على شاطئي الهالك.

ويلي من عويله يضرب أوصالي كالصاعقة، صاعقةٌ ترمي بي إلى أعمق هاوية لتسحقني مخالب بأسه الدامية.

فقدت معنى الكيان ومضى بي الزمان الى حقبة زوالي. زوالي الذي يزورني بين تنهدات الوقت وغصّات المكان.

أراني سائرًا في دربٍ ذائبٌ في الأرض. سائرٌ حائرٌ لا يجدُ محطة توقف ولا نهايةَ خطوات. سأتعقّب الريح، ففيها خطواتي المسروقة وعويل خلجات صدري الخائفة.

ما زال الطيرُ هائمًا في سمائه وما زالت جاريًا في أرضي وما زال سيل الكلمات ينهمرُ فوق رأسي وبين أضلعي. وأنا مُشتت، بين سماءٍ فاتحةً ألوانها لاستقبالي ومسار يسحب مني نبض الإرادة والتراجع وبين صمتٌ يمزّقُ أحشائي ويحرق مكانه بحقد.

نفرتُ من الاتجاهات وألهبني ضيقها. سأمضي نزولًا، إلى الباطن السحيق، لعلِّي اتضاءل شيئًا فشيئًا وأزول، فلا أثرٌ يبقى من بعدي ويفوز صمتي متحدًا مع السكون.

اشتياق

لم يعد لديّ ما يكفي من الكلمات. ضاقت بيّ معاجمي وهربت منّي المرادفات. لم تكن الكلمات تعني لي شيئًا من قبل، ولكنّي في مسارِ حبّك تائه ونفذت منّي العبارات. كيف أعبّرُ لك عن حبّي وحروفي باتت متكررة؟ أضّادي باتت مستهلكة وجُمَلي أمست ناقصة.

سأخترعُ لغةً بين قلبي وقلبك، وصلًا ووصالًا، بين عيني وعينك وبين روحي وروحك. أتذْكرُ حبيّ اليافع في ما مضى؟ أتذْكرُ كم كان صغير العمرِ كبيرَ الشأنِ حينها؟ والآن، بتُ أنا صغيرَ الشأن أمام حبٍ تملّكني وامتدّ عبري ليشمل الكون والعمر معًا. والآن، سأكبرُ في حبّك وأقرعُ طبول الحرب قبل كل قُبلة وبعد كل لقاء. فأنت لي وأنا لك. أنت عطشي وارتوائي معًا، قِدَمي في العمر وحداثتي في الحب معًا. أنت شأني الذي يعلو بعُلوّك وقامتي تصبو إلى الغيم بجوارك. وما جواري إلّا ملاذي ومسكني، مسرح تخيُّلاتي وموطئ دموعي. وما جواري إلّا قلبٌ قدّم الحياة بمعنىً آخر ومسار جديد.

كيف أنبذُ عمرًا تجمّل بلحظاتك؟ كيف أنبذُ حُبًّا بكلماتي الباهتة وأقلامي البالية؟

سأظلُّ أحاول وسأبقى باحثًا عن كل معنى جديد لأضيفه إلى صفاتك وأُصنّفه بحسب ابتساماتك. وسأبقى أنا في ركن قلبك قابعًا في سكون، مترقبًا وحارسًا، عاشقًا وحبيبًا وعمرًا سيمضي بك وبي معًا، كحبيبان يتشاركان قلبًا واحدًا.

بقلمي

pexels-photo-147633.jpeg
على شاطئ الكلمات يرسو قلمي. حبرهُ قاتمٌ وزبدهُ داكن.
أراني أُراقصُ قلمي في ساحةِ أوراقٍ مبعثرة.
تنتهي الرقصة وتنتهي معها المشاعر.
أُلملمُ قلمي جانبًا، أُشعلُ سيجارتي وأغوصُ في نفسي بصمت.
أُفكّرُ كثيرًا.
أُحاولُ أن أجد سببًا لنفسي وكوني ما أنا عليه.
أُحاولُ تفسير وجودي وفائدتي فيصيبني اليأس.
أغوصُ إلى عمقٍ آخر فأصل إلى وطني.
عمقُ الحزنِ والسكوتْ، عمقٌ يعبقُ بصرخات سنيني.
وهناك، أجدُ كلماتي التائهة.
تاه منّي فيما مضي الكثيرُ من الكلمات والمفردات.
نسيتُ معظمها وتناسيتُ الباقي.
لم يبق منها إلّا  سطحًا متشققًا يتناثرُ غبارًا في كلّ مرةٍ أكتبُ فيها كذبًا.
لعلّ أصدق كتاباتي هي التي تبحثُ تحدّثت عن نهايتي.
تلك النهاية التي أفسدها الفرح وأبقاها بعيدًا عنّي.
لي نهايةٌ تخيّلتها كثيرًا، وكتبتُ عنها مرارًا.
نهايةٌ تصل إلى أوراقي وتنتهي.
غدًا يومٌ آخر.
غدًا هو اليوم الذي سأشتري فيه فيه قلمًا.
سأختارُ قلم رصاص، لعلّ إحدى كلماتي تنطلقُ نحوي كرصاصة النهاية.
تلك النهاية التي كتبتُها وسأواصلُ كتابتها وتنقيح تعابيرها،
إلى أن تكتمل وتصمتُ يدي مع اكتمالها.
تلك نهايةٌ ستكون بقلمي.
*****

كَونْ

منذ الأزل،
ومنذ أن بدأ الغزل،
توسّطت عيناك سماء كلماتي،
وبها، طال العمرُ حتّى الأزل.
صحراءٌ وشمس،
ضوءٌ وقمر،
وعطرٌ ولون،
يسكنان جسدًا يكسوه الأمل.
أملٌ بحجم كون،
توقٌ بحجم قلب،
وعشقٌ يسيلُ على رقبته دماءٌ وعسل.
شلّال الدموع ينهمر،
وعطرُ الكون ينتشر،
كلونِ الزجاج المنكسر،
حيث أرقدُ عند حدّه وأنتظر.
أنتظر،
وفي كلّ ثانيةٍ أنكسر،
والمحاولةُ الثانية تنكسر،
كليلٍ حاول المكوث لينتصر،
ثم فاجأه نهارٌ هادر،
فأسلم عشقه المُنكسر.
جميلةٌ أنت،
كالكون ترتمين في أحضاني،
تحيطين بي وتهمسين،
سأدور بك في فلكٍ بعيد،
مسارك مساري،
ومسارك بأمري
وأمرك رهن صمتي وحدّة صراخي.
صراخ الليل لا يسمعه أحد.
وصراخُك ليلٌ لن ينتظره أحد
وأنا وأنت كون،
فكوني أنتِ أو لا أحد.

كلماتٌ بك

Poetry Night – 12 June 2017

عندما تذوب الأرض تحت قدمي، أعرف أنّ خطاك انطلقت نحوي. وعندما تتراقص الظلال أمامي، يهتز عالمي بما فيه. ترتعد ثوابتي في داخلي ويمضي العمر سريعًا بتوقيت عيناك وابتسامتك.

تحبسني نظراتك وتهدم كل المخارج فأفقد مخارج حروفي وألوان أطيافي. أراني في عينيك عاشقًا، ذائبًا كالأرض تحت قدماي. وأُزرع في واحةٍ يُشرق عليها قلبك ويغيب عنها قمرك فأنتظر. أنتظر حريّتي لأقع رهن شفاهٍ تُطبقُ على ما بقي مني من إرادة.

تعال سريعًا إليّ، احتضن أرقي وقلقي وطيبة خاطري. أغدق عليّ من الأنفاس ما ترضى والتفَّ حول عالمي كغشاء عازل، يُبعد عني ما بقي مني من مسافة.

ارفعني وارتفع معي، الى عالم غسقٍ خمري.

انتقل بي وارتحل، فأنا الآن زادك وبقايا شرابك.

اغلب نعاسي واسحق صداعي وفز بصراعي معك ومع ابتعادي.

منك أنا أعاني ولَك أشكو هواني.

من شمسك أحترق وفِي ظلك أماني.

ومن بحورك أسرق الكلام وأنظم شعري وألحاني.

وشعري بين أناملك الداكنة يختال ويرتخي وتعبق معه ألواني.

هذياني لم يعد فوضى وبك انتظم خيالي.

وأعاني منك ومن بعدك ومن قبلك كنت أيضًا أعاني.