غُربة – ٢

لا تكلّموني ولن أكلّمكم. 

لا تلقوا بالًا لي ولن أكترث لأمركم.

دعونا نفترق ونتخاصم ولا نعاود التواصل مجدّدًا. 

لا أنا أُحبّكم ولا يقنعني زيفُكم. 

إرحلوا، إرحموا وجودي وراحة بالي. 

دعوني ألتزم الصمتَ مع نفسي، وأذرفُ الدمع حزنًا وبلا سبب.

سئمتُ التظاهرَ بالفرح والتفاؤل. سئمت الصراع مع ابتسامتي الباهتة والتوسّل لها لتختار البقاء. 

سئمتُ نفسي ومكوّناتي وصوتي الخافت ووهن جسدي المتضائل.

اشتقتُ الى سوداويّتي وتخاذلي، ففيهما ملاذي وراحة بالي. 

راحةُ البال التي لا يجدُها إلّا من عاد إلى وطنه البائس رغم الظروف. 

سأعود إلى وطني، إلى حزني وليلي الحزين. 

أمنيتي بالاختفاء لم تفارقني، أمنيتي بالزوال شيئًا فشيئًا لم تعد أمنية، بل أصبحت رغبة، حاجة وضرورة مُلحّة. 

لعلّ الكون يحتضنني ويبعثر تفاصيلي في العدم. سأبقى في العدم ولن أعود. 

لن أعود لعالمٍ ترقص فيه الرأفة على مشاعري المنكسرة، ولا لعالم يفرضُ فيه الفرحُ نفسه عليّ وأنا فاقده. 

لا تحاولوا إقناعي بسعادتكم ولا تلقوا عليّ بحكمتكم الفارغة، فأنتم أصحاب أقوالٍ وأفعالكم ناقصة. 

لا تظنّوا أنّي بحاجةٍ لكم ولتعاطفكم الذي لن يزيل من وحدتي شيئًا، بل سيدفعني الى التعمّق والتوغّل بُعدًا. 

إرحلوا عني، إرحلوا عن هذا الكون ودعوني أكون. 

دعوني أكون وأُكوّن بُعدًا لا يوازي حياتكم ومحيطكم ولا يلتقي بخط سعيكم الى البقاء أبدًا.

دعوني أفترق عنكم ودعكم منّي فلستُ أنا منكم وحتمًا لستُ لكم.

*****

اشتياق

لم يعد لديّ ما يكفي من الكلمات. ضاقت بيّ معاجمي وهربت منّي المرادفات. لم تكن الكلمات تعني لي شيئًا من قبل، ولكنّي في مسارِ حبّك تائه ونفذت منّي العبارات. كيف أعبّرُ لك عن حبّي وحروفي باتت متكررة؟ أضّادي باتت مستهلكة وجُمَلي أمست ناقصة.

سأخترعُ لغةً بين قلبي وقلبك، وصلًا ووصالًا، بين عيني وعينك وبين روحي وروحك. أتذْكرُ حبيّ اليافع في ما مضى؟ أتذْكرُ كم كان صغير العمرِ كبيرَ الشأنِ حينها؟ والآن، بتُ أنا صغيرَ الشأن أمام حبٍ تملّكني وامتدّ عبري ليشمل الكون والعمر معًا. والآن، سأكبرُ في حبّك وأقرعُ طبول الحرب قبل كل قُبلة وبعد كل لقاء. فأنت لي وأنا لك. أنت عطشي وارتوائي معًا، قِدَمي في العمر وحداثتي في الحب معًا. أنت شأني الذي يعلو بعُلوّك وقامتي تصبو إلى الغيم بجوارك. وما جواري إلّا ملاذي ومسكني، مسرح تخيُّلاتي وموطئ دموعي. وما جواري إلّا قلبٌ قدّم الحياة بمعنىً آخر ومسار جديد.

كيف أنبذُ عمرًا تجمّل بلحظاتك؟ كيف أنبذُ حُبًّا بكلماتي الباهتة وأقلامي البالية؟

سأظلُّ أحاول وسأبقى باحثًا عن كل معنى جديد لأضيفه إلى صفاتك وأُصنّفه بحسب ابتساماتك. وسأبقى أنا في ركن قلبك قابعًا في سكون، مترقبًا وحارسًا، عاشقًا وحبيبًا وعمرًا سيمضي بك وبي معًا، كحبيبان يتشاركان قلبًا واحدًا.

نص غير مكتمل – 2 

تعالي واحرسي نومي من أرقي ومن أفكاري الزاخمة بك.
تعالي واصرخي في جوفي اعصارًا يبعثر سكوني إليك.

تعالي واسكبي من عشقي خمر قلبٍ دَنا من الهاوية هيامًا بك.

تهاوي أمامي واكسري من شموخي انحناءات حبً ولوعة.

تضاءلي واصغري واجعلي مني نجم عالمٍ لا مهرب لكِ منه.

ثم تناثري كلام عشقٍ وهوى بين أقلامي ونقاطي. 

 شيءٌ إسمه الأمل

اليوم، آنا على موعدٍ مع نفسي. سنخرجُ سوياً ونمرح. سنمرُّ بكل الذكريات، نتوقفُ عند كلِّ واحدةٍ ونتأمّل. كيف كنّا، كيف تفاعلنا وماذا فعلنا بعدها.

اليوم، سأكتشفُ نفسي على حقيقتِها. سنتحادثُ ونتناقش، سنتخاصمُ ونتهادن ومن ثم نعودُ الى بَعضِنا البعض وكأن شيئًا لم يكن.

اليوم، سأخرجُ من نفسي، سأنظرُ إليها من بعيدٍ وانتقدُها. سأرثي أقلامي وأحرق أحرفي وأهجر صفحاتي.

أخاف من نفسي عندما انظر اليها في المرآة. فهي تتغيّر، صفاتها تتبدّل ومزاجها يتعكّر. أخاف أنني يومًا لن أَجِدَ نفسي كما اعرفها.

اعتدتُ السنة اللهبِ واحتلالها لأعماقي. اعتدتُ الحزن وأضعتُ طريق السعادة. أسلمتُ الروح الى أرقٍ يتسلى بي ليلًا وينوب عنه الخمولُ نهارًا.

أرى نفسي بائسًا هائمًا بلا هوادة. أصطنع الحياة وأُزيّف الإرادة. أحملُ في جيبي اوراقًا متنوعة، فيها وصفةٌ للسعادة ، وصفة للإبتسامة ووصفاتٌ لم اجدها بي يوماً.

أرسمُ  تفاصيلَ حياةٍ فرحة على أوراقي وأنسى أبعادها حين احتاجها. على أوراقي أرسمُ  ما يطيب لي ولستُ بحاصدٍ لأي من ملذاتِ رسوماتي.

ملّت منّي رقصتي المجنونة ليلاً، أصابها الضجر من وهني وضعفي. هربت منّي المشاعر، فأنا ما أكرمتُ منها إلّا السواد وأهنتُ ما بقي.

أحتاج إلى أن أتغيّر، أتحوّل وأتبدّل. أصابني الملل وضاق عليَّ حصارُ هذه الحياة. أحتاج إلى الرحيل ولَم يأتِ القطارُ اللعينُ بعد.

وأبقى في حالةِ انتظار. وأشردُ في أحزاني متأملًا. ثم أسردُ على نفسي أقاصيصَ السعادة والحب. ثم أتأفّف وأركلُ ما بقيَ لي من سنينٍ وحياة.

ملّ الحزنُ منّي ورفعت سلاحَها الكلمات. وهنا أخافُ أنا وأرتعد. أنا من دون حزني لن أكون انا. أنا من دون وهني لن أبقى أنا. وأنا من دون ضعفي أخسر هذه الحياة.

وأكتفي بهذا القدر من الكلام، فهناك شيئٌ لم أعتدْ سماعَ إسمه كثيرًا. شيءٌ إسمه الأمل. أضعتُه مثلما أضاعه غيري وحلّ مكانه شيءٌ إسمه الملل.

أما آن أوانُ الرحيل بعد؟

أما آن أوان الرحيل بعد؟ لبثتُ الكثير منتظرًا ولَم أرحل بعد. سئمتُ وقعَ خُطايَ الرتيب الهادئ. مللتُ نبضات قلبي العشوائية  وكرهتُ تكرار الأيام نفسها، كل يوم.

ما عدتُ أحتملُ نفسي وازداد احتقاري لذاتي. ما عدتُ أحتملُ أخطائي وازداد كرهي ليأسي. ما زلتُ أسلكُ الدرب نفسها ولَم يحن موعدُ الرحيل بعد.

ألوذ بالفرار من وحدتي لألجأ في النهاية إليها. في الوحدة، يتمركزُ الأمان، فأنا لا أُخطئُ بيني وبين نفسي. في الوحدة، يستكين الألم، فأنا لن أجد كلماتٌ جديدة لتؤلمني من جديد.  وفِي الوحدة، تستقرُّ نفسي، فأصبح طيفاً لا يخترقه حزناً ولا فرحا.

أما آن أوان الرحيل بعد؟

أما زالت النهاية بعيدة؟

أم أنّ خطواتي هي المتثاقلة والبطيئة؟

تحرقني لدغات الحزن كل يوم، مثل ما تحرقُ لساني قهوتي الساخنة. تنخرُ قلبي برودة القسوة، مثل ما تنخرُ العاصفة عظامَ طفلٍ إفترش الشوارع نوماً.

أسيرُ في متاهة حالكة، اختفت ملامحها ودهاليزها. أخوض معارك مزّيفة، ليس فيها من يتقاتل سواي وأفكاري.

سأبقى أسير أفكاري، وقعُ خُطايَ ودربي الطويلة، ولَم يحن موعد الرحيل بعد.